أيها الأحبة في الله:
يقف العبد بين يدي الله، يقف العبد بين يدي سيده ومولاه، يناديه رباهُ رباه، يناديه بعد الذنوب والخطايا،
والعيوب والرزايا.
وقد أقضت مضجعه وآلمته وأكربته فلم يجد ملجأ ومنجى إلا إلى الله، فيقف بين يدي الله وقد أحزنته
ذنوبه وأهمته عيوبه وأسرته خطاياه بعد أن ذهبت اللذة، وانقضت الشهوة وأعقبها العذاب والهوان،
وأصابته بلية المعصية:
من فقر في يديه.
وسوء في حاله.
ومرض في بدنه.
وأحاط به ضيق المعاصي.
آلمته وأقضت مضجعه ,أقلقلته، عندها نظر يمينا وشمالا.
فإذا بالنفس الأمارة بالسوء قد خذلته، وإذا بالشيطان المريد قد خذله، فلم يجد إلا ربه لكي يقف بين يديه
معتذرا، ويقف بين يديه نادما تائبا منكسرا.
فينادي ربه من صميم قلبه وفؤاده، وهو يعتقد أن لا أرحم من الله بخلقه.
ينادي ربه وهو على يقين أن الله أحلم وأرحم، وأن الله أوفى وأكرم، وأنه وإن كانت ذنوبه كبيرة فالله
أكبر من كل شيء، وإن كانت عيوبه كثيرة فالله أرحم وهو الغفور الحليم.
فوقف بين يدي الله منكسرا، أسيرا حسيرا كسيرا مؤمنا بربه موقنا برحمته، فيناديه:
يا ربِ يا رب، وإذا بالله جل جلاله لا ينظر إلى ما مضى من إساءته ولكن يفرح بإنابته وتوبته، فتفتح
أبواب السماوات وتصعد الكلمات والدعوات، فتنتهي إلى ما شاء الله أن تنتهي، فينادي أرحم الراحمين،
وينادي خير الغافرين:
يا ملائكتي علم عبدي أن له رب يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنوب، قد غفرتُ لعبدي.
وقد يكون العبد أبن ستين وسبعين فيغفر له في طرفة عين، فيتولى الشيطان وهو يحثُ على نفسه
التراب ويقول: يا ويلي أغويته من ستين وسبعين وغفر له في طرفة عين.
فإذا غفرت الذنوب، وسترت العيوب، وزالت الخطايا، فرح العبد بتوبة ربه عليه، ورأى بشائر فضله
وإحسانه أمامه وبين يديه، رأى الكرم والجود، والحلم والرحمة فأزداد فرحا بالله، وإنابة إلى الله، وثقة
بالله جل جلاله، وأصبح لسان حاله يقول:
يا رب أسئت في ما مضى فأحسن لي في ما بقي من عمري، وأحسن لي في ما بقي من أجلي.
فتغشته سحائب المغفرات، وأفاض الله عليه جزيل وجميل الرحمات، ففتح في وجهه أبواب البر، فانطلق
ذلك العبد الموفق إلى أبواب الخير والطاعات فرحا بتوبة ربه عليه، وإنابته وإحسانه إليه، فإذا أراد
الله عز وجل أن يسعده أراه بدل له سيئاته حسنات.
الله أكبر، إذا بدلت الذنوب، وبدلت الخطايا والعيوب، بدلت حسنات من أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين
وخير الغافرين سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة في الله:
من بيننا وبين الله؟ من الذي بيننا وبين ربنا؟
ليس بيننا وبين الله أحد، ليس بيننا وبين الله ترجمان ولا حجاب ولا جن ولا إنسان، يبسط يده بالليل
ليتوب مسيء النهار.
يناديه العبد بالذنب لا يعلمه إلا هو سبحانه الرب، فيستره ويرحمه في الدنيا والآخرة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:
إن الله يدني العبد يوم القيامة ثم يلقي عليه كنفه ثم يكون في ستر لا يسمع ما يقول إلا الله وحده لا شريك له فيقول له:
يا عبدي عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا.
فيقول نعم يا رب.
فيقول عبدي عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا.
فيقول نعم يا ربي، حتى إذا كشفت العيوب وكشفت الذنوب، وأشفق العبد على نفسه.
قال الحليم الرحيم، عبدي سترتها عليك في الدنيا وها أنا أسترها عليك اليوم، فيستره الله بستره،
ويشمله بعفوه ومغفرته، ويدخله الجنة.
ليس بين العبد وبين الله أحد، لا يستطيع أحد أن يحرمك من رحمة ربك، ولا يستطيع أحد كائن من كان
أن يقفل أبواب فضل الله عليك..
اختار الله منك الندم والشجى والحزن والألم على ما سلف وكان من العصيان لكي يشملك بعفوه.
أيها الأحبة في الله:
من سحائب المغفرة التي تُمطر على العبد فيغفر الله بها ذنوبه، ويستر بها عيوبه أن يكون العبد كثير
الاستغفار، كثير الإنابة إلى الله الحليم الغفار.
من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية.
كان (صلى الله عليه وسلم) يستغفر الله في اليوم أكثر من مئة مرة، وقال أيها الناس توبوا إلى الله
فإني أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.
كثرة الاستغفار باب من أبواب الرحمة.
فاستغفر الله قائما وقاعدا، استغفر الله ذاهبا وراجعا.
إن ذهبت وأنت تطلب رزقك استغفرت الله عند خروجك لأنه ربما حُرم العبد الرزق بسبب الذنب.
وإن رجعت إلى بيتك وأويت إلى أهلك أكثرت من الاستغفار لربك خشيت أن تكون ظلمت أو أست أو
أخطأت، فترجع إلى بيتك وأنت مغسول من الذنوب والخطايا.
فأكثر من الاستغفار لله فإن الاستغفار سبب من أسباب الرحمة، ولذلك كان النبي (صلى الله عليه
وسلم) يستغفر الله، ويستفتح الصلاة بالاستغفار، ويسأل ربه أن يغسله من الذنوب والخطايا بالماء
والثلج والبرد.
ومن علم أن الذنوب شؤمها عظيم، وبلائها وخيم وعاقبتها سيئة:
فكم من ذنب قاد إلى حرمان الرزق.
وكم من ذنب أظلم به القلب.
وكم من ذنب طمست به البصيرة.
وكم من ذنب فسدت به العيال.
وكم من ذنب ذهبت به الأموال.
وكم من ذنب كان سببا في سوء الخاتمة والعياذ بالله وسوء الحال.
الذنوب بريد إلى الكفر، وطريق إلى الكفر، فعلى العبد أن يفر منها إلى أرحم الراحمين، وخير الغافرين،
وأن يستيقن أن الله حليم رحيم: من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت
من باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة.
ومن الأسباب التي تعين على مغفرة الله للعبد بره لوالديه، وصلته لرحمه، وحسن ظنه بالمسلمين،
وسلامة صدره، وما يكون منه من الإحسان كالعطف على الفقراء والضعفاء، وقضاء ديون المعسرين،
وتفريج الكربات عن المكروبين فإنها سحائب رحمة من أرحم الراحمين.
يقف العبد بين يدي الله يوم القيامة، فتعظم عليه الذنوب وتكثر منه الخطايا والعيوب، فيقول الله عز
وجل: إنه كان يتجاوز عن المعسرين، ونحن أحق بالتجاوز عنه، قد غفرت لعبدي وتجاوزت عنه.
قال (صلى الله عليه وسلم) أنه كان في من كان قبلكم رجل يديّن (يقرض) الناس، وكان يقول
لغلمانه: إذا رأيتم معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، قال (صلى الله عليه وسلم): فوقف
بين يدي الله، فقال الله عز وجل لملائكته: نحن أحق بالعفو من عبدي، قد غفرت لعبدي، وفي رواية قد
تجاوزت عنه فاذهبوا به إلى الجنة.
فمن أسباب الرحمة رحمة العباد، والإحسان إليهم، وشملهم بالعفو والمغفرة، فمن عامل الناس
بالسماحة عامله الله بالرحمة، والراحمون يرحمهم الله.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن لا يفرق جمعنا هذا إلا بذنب
مغفور.
اللهم أرحم ضعفنا واغفر ذنبنا، اللهم اغفر ذنبنا ما تقدم وما تأخر، وما ظهر وما بطن.
اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وفرج كروبنا وأحسن خاتمتنا وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة،
واعف عنا، وأرحم في موقف العرض يا أرحم الراحمين ذل مقامنا.
أقول قولي هذا وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم لي ولكم العفو والمغفرة، إنه ولي ذلك والقادر
عليه.